الشيخ عبد الغني النابلسي
69
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية
وجل لك بعينه ، فتذكره بلسانك ويذكرك بلسانك إذ لا لسان له عز وجل فعند ذلك تستحي منه لأن ذكره لك أكبر من ذكرك له ؛ قال تعالى : ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) « 1 » ، وذلك لأن لسانك خلقة له لا لك ، بل كلّك خلقة له لا لك ، كما ورد في الحديث : « يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك وخلقتك من أجلي » « 2 » ، فلا تشتغل بما خلقت من أجله عما خلقك من أجله ، فتسكت أنت عن ذكرك له ، ويبقى في لسانك ذكره لك ، وهو قوله « 3 » ( ثم نسيت في ذكر الحق إياك كلّ ذكر ) كما سبق . وأعلى الدرجات وأتمها الفناء ، أعني لا يبقى للسالك خبر عما سوى اللّه تعالى ( وأعلى الدرجات ) في الوصول إلى اللّه تعالى بالنسبة إلى السالكين إليه تعالى ( وأتمها ) حصول مقام ( الفناء ) للعبد عن سائر الأغيار ، ( أعني لا يبقى للسالك خبر عما سواه تعالى ) . قال عز من قائل : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ) « 4 » ، أي على الحضرة العلمية « 5 » ، فإن كل شيء في علم اللّه تعالى لم يبرح منه على ما هو عليه من العدم الصرف ، والوجود للّه تعالى وحده ، وهو مشرق على الحضرة العلمية ، كاستحضار العالم لما في علمه من المعلومات . فإذا ظهرت تلك المعلومات وهي على ما هي عليه من عدمها الصرف ، رأت نفسها موجودة بإشراف وجود غيرها عليها ، فادعت الوجود لنفسها مع وجود غيرها ، وتكبرت عن الانحطاط في الوجود عن غيرها وزعمت أنها تشاركه فيه ، وهي معدومة بالعدم الصرف من غير شعور منها بذلك ، وهذا معنى قوله ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها ) ثم أخبر
--> ( 1 ) سورة العنكبوت آية : 45 . ( 2 ) ذكره سيدي محي الدين في الفتوحات ( 1 / 239 ) ، ( 2 / 358 ) ، وابن عجيبة في إيقاظ الهمم ( 247 ) . ( 3 ) أي مصنف الرسالة سيدي تاج الدين العثماني قدس اللّه سره . ( 4 ) سورة الرحمن آية : 26 . ( 5 ) ( ج ) : العلية